بسم الله الرحمن الرحيم


والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


خبير العلاقات الزوجية والأسرية د. لحسن بوجناح الجزائري يصرح:
الزواج مشروع حياة لا يقدم عليه أي "صعلوك" أو "صعلوكة"
أجرت الحوار: الصحفية كريمة خلاص - 14-01-2015
منقول من قسم جواهر – صحيفة الشروق اليومي الجزائرية



>المرأة أكثر إقبالا على الاستشارة الزوجية وأول من يتراجع عن الطلاق
>الاستشارة تجنب 80 بالمائة من المشاكل التي قد يواجهها الأزواج



بجرأة وصرامة يضع الإصبع على الجرح ويقتلع الرصاصة من الجسم الحي الجريح.. يواجه حالاته بحقيقتهم دون خشية، بل أحيانا بصراحة جارحة مداوية لأنفس عليلة، لا يخشى في ذلك أحدا مادام هدفه نبيلا وأجره عند الله عظيما.. إنه الخبير في السلوكيات والاستشارات الزوجية د. لحسن بوجناح الجزائري.

"جواهر الشروق" التقته وحاولت أن تغوص من خلاله في منغصات العلاقة الزوجية وأسباب الارتفاع الفاحش لقضايا الطلاق وثقافة الاستشارة الزوجية ببلادنا وغيرها من المسائل الحساسة التي تكتشفونها في هذا الحوار..

ماهو نموذج الأسرة الجزائرية الذي يمكن أن نتحدث عنه في وقتنا الحالي؟
الأسرة الجزائرية بعد الكارثة الاستعمارية ورثت أمورا مازالت رائدة في تسييرها وهذا بحكم سباتنا على حضارتنا ومقوماتنا التي تقمصها الغرب ونحن عنها غافلون.

نحن الآن أمام أسرة مزدوجة السلوك، متغربة عن الإسلام.. لا تقره جهرا وإنما تعيشه سلوكا، فنحن مسلمون عقائديا غربيون سلوكا..

والغرب آلياته ظاهرة أهمها سيطرته على الإعلام ليتغير بذلك الاستعمار من البندقية إلى الكاميرا "صوت وصورة"، والطالب على الشيء إنسان تعبان يريد الراحة، لذا فهو يتلقى كل ما يقدم له من قبل من يتحكمون فيه، وهذا هو المسار الشيطاني للغرب.

من هنا نقول أن 99 بالمائة من الناتج الغربي مردود ولا يتطابق مع سلوكياتنا أو ثقافتنا باعتبارنا مسلمين، يجب أن نغربل كل المواد الغربية الموجهة إلينا، وإذا لم يحدث هذا فسوف يتفاقم سلوكنا المزدوج الذي أصله وعموده الفقري لا يحلل ولا يحرم وبهذا ندخل كليا في حضن الغرب.

وعلى سبيل المثال متوسط تلقي الجزائريين للبرامج التلفزيونية يعادل 4 ساعات يوميا أي سدس اليوم الذي يتفرغ له الإنسان يذهب في التلفاز.

نلاحظ جميعا أن العنف بات لغة الخطاب داخل أسرنا، كيف تفسرون هذا؟
كل ما نتخبط فيه اليوم سببه أننا لم نعلم أولادنا كيف يكونوا رجالا.. المشكل أن غالبية الرجال ذكور وفقط، يجب أن نتعلم في أسرنا كيف نؤهل أبناءنا ونرتب في ذهنياتهم الأولويات، فالتقاء ضدين لا ينتجان إلا سالبا وبسبب هذا التخبط فنحن أحياء بيولوجيا أموات اجتماعيا وحضاريا.

الأسرة وحدها المؤهلة لأن تقوم بهذا الدور وعليها أن تكون في مستوى المسؤولية الموكلة إليها، وهنا نطرح السؤال: هل الأسرة مؤهلة لتكون في مستوى الرهان، فإما أن نثبت وجودنا أو نندثر؟

الأسرة المجتمعة على ثالوث هو أصلا غربي "هدوء، رفاه، لذة" الثالوث هذا بالمفهوم الغربي هو أرقى ما يمكن أن يصل إليه الناس لان كل الأمور متسلسلة يجب أن نعيد ترتيب أولوياتنا وأهدافنا في الحياة.

الجزائري صارت جل سلوكياته من أجل التأقلم فهو لا يملك سلوكا للبعد الحضاري.

تميز الكثير من الأمهات في تعاملها مع أبناءها، فتتساهل مع أخطاء الذكور وتبدي شدة مع البنات.. ألا يؤثر هذا على تنشأة الاطفال؟

الأمهات اللواتي يعنفن أولادهن الذكور في سن الصبى بطريقة مهينة وقاسية يعرضونهم إلى انكسار وشرخ في الشخصية عند الكبر مع زوجاتهم، لذا فإن المختصين يعتبرون أنه من المذموم جدا تعنيف الذكور ولا بأس ببعض من الشدة المعقولة مع الإناث اللواتي يتم تحضيرهن لتولي مسؤوليات عليا في بيوت أزواجهن، وكذا لمواجهة الرجل.

ولكن هذا لا يجب أن يفسر بترك الحبل على الغارب للذكور، بل يجب أن تكون للأم الكفاءة في الرقابة على أولادها وكذا في الرقابة الذاتية لعدم الكشف عن ميلها لأحد الطرفين، يجب عليها أن تتوخى العدل وتتقن لغة التعامل مع أبنائها ذكرا أم أنثى مع مراعاة اختلاف الطريقة لاختلاف الجنس والطبيعة البشرية فلا يمكننا الحديث عن مساواة بين الجنسين بل يمكننا الحديث عن عدل بينهما وهما أمران مختلفان عكس ما ينادي به الكثيرون.

تعنيف الأبناء لا يقدم أي نتيجة لصالح تربيتهم، سيما المراهق الذي يتواجد في مفترق طرق ويتميز بخصوصية في الشخصية تتطلب معاملة خاصة، لكن للأسف أغلبية الأولياء في سبات عن أولادهم ..من يملك فراغا يقدم فراغا.

تشهد الجزائر ارتفاعا فاحشا في حالات الطلاق تهدد المنظومة الزوجية، ماهي قراءتكم؟
الطلاق نتيجة أساسية لعدم تأهيل الزوجين وللمنظومة القانونية.

وحتى على مستوى الأهل والأسرة للأسف الأسرة لم تعد عاقلة.. لم نعد نملك أناسا عقالا يصلحون ذات البين، بل في كثير من الأحيان تدخل الأولياء وتشجيعهم للزوج أو الزوجة هو ما يعجل بفض العلاقة المقدسة.. يحسبون أنهم يحسنون صنعا، لكنهم للأسف يساهمون في تحطيم أبنائهم ومجتمعهم من حيث لا يدرون.

الجزائر تنتج، حسب ما نشر إعلاميا، 60 ألف حالة طلاق مع تبعاته الكارثية على المجتمع وعلى الأبناء خصوصا، وإذا قلنا أن 10 بالمائة من أبناء الأزواج المطلقين ينحرفون فنحن إذن أمام 5 آلاف طفل يحتاج إلى متابعة.

ماهي أهم منغصات الحياة الزوجية المؤدية إلى الطلاق؟
سوء التبعل أغلب النساء لا يحسنَ ذلك ثم بعدها يشتكين من نفور أزواجهن، والأزواج كذلك أغلبهم يجهلون المعاملة الحسنة لزوجاتهم ثم بعدها يتذمرون.

لن أبالغ إذا قلت أن حوالي 80 بالمائة من حالات الطلاق سببها مشاكل جنسية بين الزوجين، لذا يجب أن تكون العلاقة الحميمية الشرعية مضبوطة وكافية لكل طرف.. قليلات هن النساء اللواتي يأخذن وترهن من أزواجهن.

العلاقة الحميمية لا يجب أن تكون غاية في حد ذاتها هي ليست أساس العلاقة الزوجية، لكنها أساسية فيها لتكون سليمة وتصل بالزوجين إلى بر الأمان.

برأيكم ماهي الحلول التي قد تجنبنا هذا الواقع المرير؟
للأسف لا نملك في بلادنا منظومة تقلل من حدة الطلاق، غير نظام العدالة، لكن العدالة تفض العلاقة ونحن نحتاج إلى نظام يقلص حالات الطلاق قبل وصولها إلى مرحلة القضاء أو منظومة تصعب الطلاق.. يجب وضع ممهلات قبل الإعلان عن حكم الطلاق.. حواجز قانونية لا تجعله بالأمر اليسير لكل من سولت له نفسه ذلك.

وفي تجربة الإمارات دليل واضح على مدى حاجة الجزائر إلى مثل هذه الهيآت.

فالطلاق في الإمارات لايتم إلا بعد المرور على الاستشارة الزوجية والنفسية وهو ما سمح بتخفيض حالات الطلاق إلى 7 بالمائة، وهي من أخفض النسب في العالم.

لا نملك مختصين كافين في مجال السلوكيات وما يوجد بشأن التنمية البشرية لا يعدو بيعا للأحلام، لذا يجب تكوين استشاريين حقيقيين فالموجود يعد على الأصابع، ونحن بحاجة إلى تقديم العلاجات والحلول وليس إلى الكلام، وأنا أفكر فعليا في مشروع استشارات عن بعد بالاستعانة بالوسائط التكنولوجية المتاحة حاليا، لكنه يحتاج إلى عمل ودعم مادي كبير.

ما رأيكم في الإجراءات القانونية لحماية العلاقة الزوجية، خاصة صندوق الحاضنة؟
أحيانا الغيث المالي يفتح الباب للانفلاتات، لكنه في العموم جيد لأن الحالات الاجتماعية كارثية تستوجب إرفاق كل الآليات بالمتابعة الصارمة حتى لا يتسلل إليها الانتهازيون.

لكن لدي تحفظ كبير على قانون الأسرة الذي غرَر كثيرا بالمرأة.

عمليا ومن خلال تجربتكم كيف تذللون المشاكل الزوجية؟
الأخصائي الاستشاري ليس وكالة طلاق، بل طرفا لإصلاح ذات البين،وهو أمر عظيم لا يفوقه سوى الجهاد في سبيل الله.

في الجلسات الاستشارية نعيد بلورة العلاقة الزوجية من خلال تقنيات عديدة نفسية وسلوكية، نحن نعمل في الجانب غير المدرك للزوجين، ونحاول أن نستخرج منه الأمور الايجابية لكليهما.

لأول وهلة وبعد أي خلاف زوجي يهرول الأزواج إلى الطلاق.. طبعا مع بعض البهارات التي يضيفها الأهل والوساوس الشيطانية وغيرها من الأطراف، ويتهيأ لهم أنه الحل الوحيد أمامهم.

ولا أخفيكم جاءتني الكثير من الحالات أول طلبها كان الطلاق، وخلال الجلسات تسرد الوقائع في قراءة سطحية حتى أن سامعها يتعاطف معها ويقر لها بحقها في الطلاق، لكن بعد عدد من الحصص تغير رأيها.

وخلال عملنا نعد ما نسميه جانبية بورتريه للعلاقة حتى نصل بطالبة الطلاق إلى جرها لترى بشكل واضح تبعات الطلاق.

وفي كل مرة نلاحظ أن 95 بالمائة من تأثيرات الطلاق وتبعاته لم تدرس بشكل معمق، مع أن تلك التبعات ستكون قاتلة لها ولأسرتها.

لذا فإن المرأة هي أول من يتراجع عن فكرة الطلاق عندما توضع أمام تبعاته، لكن أحيانا يغرر بها ببعض القوانين التي يخيل لها أنها تحميها، لكنها في الحقيقة تهدمها وتقضي عليها.

أيهما أكثر إقبالا على الاستشارة المرأة أم الرجل؟
النساء أكثر المقبلات على الاستشارات فالمرأة اجتماعية بطبعها وتتواصل جيدا، لكن الرجل كتوم، وعدد الرجال قليل جدا وأكثرهم من المثقفين الحقيقيين..

هل يكون هذا بعلم الأزواج؟
هنا الإشكال يطرح بشدة، حيث يرفض الكثير من الرجال السماح لزوجاتهم بالتحدث مع المختص والإفصاح عن أمور خاصة وأحيانا حميمية، لذا يشترط دوما إعلام الشريك بهذه الخطوة.

وفي هذه الحالة لا يطرح الإشكال الشرعي لأن الهدف علاجي ويتعلق بإصلاح ذات البين.

الأفضل أن تتم الاستشارة بحضور الزوج حيث يتم الحديث إلى كل واحد من الطرفين على حدا لأن قلة نادرة جدا من تقبل النقاش بصفة مباشرة ومع الطرفين معا، وأحيانا تتم الحصة في جلسة ثلاثية يكون فيها المستشار بمثابة الشاهد على عقد معنوي بين الزوجين.

ألا يستميلك طرف على حساب الآخر؟
كثيرا ما تحاول بعض الحالات استمالتي إليها، لكننا نأخذ مثل هده الأمور بالحسبان ونتعامل معها بشدة لأن المستشار حيادي لا يجب أن يظهر تعاطفه مع أي طرف.. هذا لا يلغي إنسانيتنا فنحن نتعامل في صمت ولا نظهر أي تفاعل مع الحالات مهما كانت.

بماذا تنصحون المقبلين على الزواج؟
من أرقى ما ننصح به المقبلين على الزواج تخصيص 5 بالمائة من مصاريف العرس للاستشارة والتأهيل وسيجنبهم هذا 60 إلى 80 بالمائة من المشاكل التي قد تواجههم في بداية حياتهم، سيما وأن 50 بالمائة تقريبا من المتزوجين ينفصلون في عامهم الأول، فالزواج مشروع حياة لا يقدم عليه أي "صعلوك" أو "صعلوكة"، ففاقد الشيء لا يعطيه.

كما أن العلاقة الزوجية لا تبنى على جانب شكلي أو فيزيائي جمالي، بل تحتاج إلى معارف لكليهما، كي يتسنى لهما الخروج من المطبات التي يواجهانها بأقل ضرر.

كلمتك الختامية؟
إصلاح المنظومة الزوجية هو المسلك القاعدي لإرجاع أمة المليون ونصف المليون شهيد إلى الرقي والحضارة، كما كانت عليه قبل أن تغتصب في 1830. اهـ.


*****
والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل
ولا حول ولا قوة إلا بالله
نحبكم في الله
والله الموفق
والحمد لله