اللعــب. تعلُّم ونمـو وإستمتاع



اللعــب.. تعلُّم ونمـو وإستمتاع ...



ليس كل لعب لهواً وعبثاً، وجميل من التربية الحديثة أن تصطنع منه أساليب تعينها على تكوين الناشئة، فتضفي عليهم ثوباً من عافية البدن، ونشاط الذهن، واستقرار النفس.

اُعتبر اللعب قديماً مضيعة للوقت، ومبدداً للجهد الذي يجب أن يُبذل في الدراسة والتعلُّم، ولذا فلا غرابة إن وجدنا التربية القديمة تعمل جهادة لإبعادة تلاميذها عنه، عن طريق تجاهلها له في مناهجها المدرسية أو خططها التربوية.

وقد تغيّرت النظرة إلى اللعب، وتبدّلت الصورة عنه في عهد التربية الحديثة، التي أكّدت على ضرورة إدخاله ضمن المناهج التربوية في جميع مراحل التعليم، وغرسه في أكثر النشاطات التربوية والمواضيع الدراسية إعترافاً بأهميّته الملموسة في ترسيخ التعليم في الذهن"
ما يجري من تقييم حول أهميّة التعليم أوّلاً وما يجري من حوار حول وضع الطفل للإستعداد والتحصيل الأكاديمي يجب أن يدفع الأُمّهات والمعلِّمات بإعتباره عاملاً هاماً في مختلف مجالات النمو.

وهناك اختلاف بين نظرة الكبار للعب ونظرة الصغار إليه، فاللعب بالنسبة للصغير هو عمل الطفولة الممتع، وبه تتم تربيته وتعليمه، وفيه متعته ومرحه.

تقول (دورثي كروس) من كلِّيّة بروكلين:
"يستطيع الطفل من خلال اللعب أن يتصل بما حوله بطريقته الفريدة والخاصة به.. إنّه ليس مجرد لعب، وإنّما هو أعظم عمل يقوم به الطفل"


وتقول (لورانس فرانك):
"يتعلّم الطفل باللعب ما لا يمكن أن يتعلّمه من غيره، ويصفه آخرون بأنه عمليّة نمو.. إنّ كثيراً من اللعب عند الصغار هو نشاط فسيولوجي بعضه طاقة فائضة وبه تنم المهارات العضلية واليدوية وإن كان من الصعب أن يدرك الكبار حاجة الصغار إليه، والساحات أمر ضروري لتنمية هذه المهارات والتدريب عليها".

وتقول (باربارا بيير):
"يشعر المرء بالرِّضا والسرور لكل عمل ننجزه، وحين يعيد الطفل تشكيل ما في العالم من حوله من خلال اللعب إنّما يضع حجر الزاوية لشعوره عن نفسه في علاقته مع هذا العالم".

وتقول (سوزان إيزاكس):
"إنّ اللعب لا يساعد الطفل على أن يفهم سلوك الناس والأشياء فحسب، وإنّما هو يترجم به دراماتيكية داخلية إلى أخرى خارجية حين يمثل دور الأب أو الأُم، أو الصياد أو الحيوان المفترس، وفي هذه الحالة يحد من حالة التوتر التي يعاني منها".

اللعب وسط يتعلّم فيه الطفل الكثير عن نفسه وعن الآخرين، بل وعن العالم من حوله، كما أنّه مصدر خصب وقوّة لصحّته العقلية وأساس هام للتنفيس عن عواطفه المكبوتة.. إنّه يبني الأجسام والعقول ويساعد على حل المشكلات، وهو يبني الوعي الإجتماعي عنده ويقوِّي من وعيه بذاته ويسمح له بالتعبير عن مشاعره وأحاسيسه وعواطفه.

إنّ اللعب هو النشاط الذي يطغى ويسيطر على المرحلة السنية للطفل مابين فترة الثلاث سنوات والخمس سنوات فيكون له تأثير ملحوظ عليه من الناحية النفسية.. إنّه الشرارة الدالة على وجود نشاط عقلي تخيلي كبير عند الطفل، أو بمعنى آخر إنّه الدليل على إنطلاقة هذا الخيال وتحرره من عالم الواقعية.



- اللعـــب الرمــــزي :

وهذه الشخصية تجعلنا نطلق على اللعب في هذه الفترة من العمر (اللعب الرمزي). إنّ قطعة الخشب تتحوّل في نظره إلى سيارة.. فهو لا يأخذ الأشياء على واقعها، بل يراها وفق ما يقدمها له خياله..
إنّها رموز لأشياء خاصة به.. إنّه يعيش الرمز حتى في نفسه، فقد يراها شيئاً ما يعجبه أو دمية أو حتى حيواناً الأمر الذي يجعلنا نتصوّر مدى أهميّة ظاهرة الرمز عند الطفل، وكم هو عميق في معناه مُرض له، يسمح له بأن يلمس بيديه خبراته التي عاشها، والتمزُّق أو الحرمان الذي عاناه ويحولها كلها وبخياله الخاص إلى الصورة التي يجب أن يراها فيها.

وهذه هي الصورة التي قال عنها (فرويد) إنها الحركة الأساسية للعب والتي يندمج فيها الواقع والخيال وخاصة في المرحلة السنية التي نحن بصددها، حيث تعمل فطرته على تكملة الصورة الواقعية لكي تكون بالشكل المطلوب؛ ولذلك فلو أنّنا أسقطنا النشاط التخيلي من اللعب الطفولي، نرتكب خطأً تربوياً كبيراً، ذلك أنّ ظاهرة اللعب هي النشاط التخيلي وهو المتفق مع حركة الرِّضا النفسي أكثر من الرِّضا الواقعي (الحقيقي).

وليس معنى هذا أنّ اللعب يعوق الإتصال بالواقع، بل هو يسهله ويكون حلقة الوصل معه، شأنه شأن أي نوع آخر من الخبرات ولكن بصورة مختلفة، حيث عملية التطوير التي تستلزم بعض الوقت، ولا يعيب اللعب هنا أن يكون له صفة أو سمة البدائية، حيث إنّه أوّلاً وأخيراً يقصد بأدائه الإرضاء الذاتي.



- حقيقـــــة اللعـــــب:

إنّ اللعب إستعداد فطري وطبيعي وهو عند الطفل ضرورة من ضروريات حياته مثل الأكل والنوم..
فالطفل ليس في حاجة إلى تعلُّم اللعب بقدر ما هو في حاجة إلى توجيه هذا الميل والرغبة والإستعداد الفطري إلى ما يعود عليه بالنفع حتى يشب وهو في حالة صحّية جيِّدة وليس معنى ذلك أنّ الشخص البالغ لا يلعب، بل إنّ ميله للعب موجود ويستمر هذا الميل موجوداً لدى الأفراد في جميع مراحل نموهم.



ولكن لا يفوتنا أن نشير إلى أنّ اللعب بالنسبة للكبار لا يمثل أو يعتبر عنصراً جوهرياً ومستديماً في حياتهم كما هو الحال والقوة العقلية بنسب متباينة حسب نوع اللعب.
يطلق اللعب على طائفة من الحركات الجسمية والنفسية يندفع القيام بها صغار بعض الفصائل الحيوانية تحت تأثير ميل فطري تنشأ هذه الفصائل مزوّدة به، وتختلف مدة بقاء هذا الميل بحسب إختلاف هذه الفصائل في أمد طفولتها، فكلما طالت هذه الطفولة طال الزمن الذي تستغرقه هذه النزعة، ولذلك كان أطول الحيوانات طفولة هو الإنسان وأكثرها حظاً في الألعاب،
كما تختلف الألعاب في مدة بقائها تختلف كذلك أنواعها بإختلاف الحيوانات، فمن المشاهد أنّ لصغار كل طائفة حيوانية العابها، وقد يتحقق هذا الإختلاف في الفصيلة الواحدة بين ذكورها وغناثها. وكذلك تختص كل مرحلة منها بألعاب تختلف في نوعها عن العاب المراحل الأخرى.

ومن هنا يتبين أنّ اللعب عبارة عن استغلال طاقة الجسم الحركية في جلب المتعة النفسية للفرد، وهو الوسيلة التي يزداد بها الطفل معرفة ببيئته التي يعيش فيها يوماً بعد يوم، إذ إنّ اللعب هو عمل الطفل وهو وسيلته التي ينمو بها ويرقى بوساطتها، ويمكن أن ننظر إلى نشاط اللعب على أنّه رمز الصحّة العقلية، فإذا لم يقبل عليه الطفل كان ذلك دليلاً على عيب فطري أو مرض نفسي.
لم تكن التربية الحديثة تولي اللعب كل هذا الإهتمام، لولا أنّ هناك فوائد عديدة وثماراً تربوية جمة يقدِّمها اللعب للطفل، ومنها:
- ينفس عن التوتر الجسمي والإنفعالي عند الطفل
- يدخل الخصوبة والتنوع في حياة الطفل
- يعلم الطفل أشياء جديدة عن نفسه وعن العالم المحيط به
- يعطي للطفل مجالاً لتمرين عضلاته كما في ألعاب الحركة والمجهود الجسمي



- يعطي للطفل فرصة لإستخدام عقله وحواسه وزيادة قدرته على الفهم ...

---- يتبــــــــــــــــــع ---




موضوع حصري لمنتديات شباب باتنة