تقرير حول بعض مدن المغرب العربي من خلال الرحالة العرب

مقدمـــــــــــــــــة
عرف الإنسان الرحلة أو الترحال والتنقل بفطرته التي جبل عليها منذ بدء الخليقة، منذ هبط آدم وحواء إلى الأرض ليعبدوا الله وليعمرا بأولادهما الأرض، وينتشروا فيها بسعيهم وراء مصادر الماء، التي بدورها ستوفر لهمإ امكانية الزراعة والشرب وتوفر مصادر الرزق لهم ولحيواناتهم.
وكثيرا ما كانت الطبيعة تؤرقه، وتشغل باله فيقضى ساعات طويلة يتأمل فيها،وكثيرا ما كانت تفاجئه برياح عاتية أو رعد وبرق أو ما هو أفظع، كارثة طبيعية تجعله يفر، يلملم أغراضه ويرحل لمكان آخر يلتمس فيه بعض الأمن وبعض العزاء عما يكون قد فقده بسبب هذه الطبيعة الغامضة التي يبيت يفكر في أسرارها عله يأمن بعض أشرارها. ومن هنا نأتي إلى تذكر المقولة الشهيرة بأن في السفر تسع فوائد: منها الرزق، وتحصيل العلم، واكتساب الخبرات، والترفيه، ورؤية بلاد جديدة،واكتساب مزيد من العزة عند الأهل، والاستشفاء في حالة المرض، لا قدر الله.
لم تظهر الكتاب كاملة عن الرحلة إلا ربما فيما بعد الهجرة النبوية، والفتوحات الإسلامية، وازدهار الحضارة مادة اللغة العربية وثقافتها، فظهرت كتاب كاملات عن رحلات قام بها رحالة عرب، حيث ظهر أدب الرحلات ليشكل أحد أهم تجليات الثقافة في ذلك العصر، وليجوب بعض الرحالة العرب بلادا عربية تجاور بلادهم بل وصل بعضهم إلى بلاد غير عربية وبعيدة كالصين والهند وبلاد ما وراء النهر وتركيا وغيرها.
وقد أدى الرحالة العرب مهمة سامية للأجيال القادمة، إذ أسهمت كتاب كاملاتهم لأدب الرحلات في نقل كثير من الصور الجميلة والمشاهد المميزة لتلك البلاد وطبيعتها الجغرافية، وظروفها المعيشية وألقوا الضوء على مادة التاريخ هذه البلاد وأفكار سكانها وعادات وتقاليد قد تختلف وقد تتفق مع عادات البلاد التي جاء منها هؤلاء الرحالة، فأسهموا بذلك في نقل بعض ثقافات الشعوب الأخرى،وإثارة الاهتمام بها وتشجيع المهتمين من العلماء وطلبة العلم على زيارة تلك البلاد للنهل من معارفها وعلومها.
ظهرت الرحلة في نقوش مصرية قديمة تحكى عن (بلاد بُنت) في عهد الملكة حتشبسوت، وذكرت الرحلة في القرآن في سورة الفيل مما يدل على معرفة الإنسان لها منذ القدم . و لعل أدب الرحلة بمفهومه هو فن التعبير عن مشاعر تختلج فى نفس الأديب المغترب تجاه كل ما يراه ويعايشه ويقرأه عن ملامح بلد أجنبى بعادات، وتقاليد سكانه، وخلفيته السياسية والثقافية والإجتماعية وأحداث يعايشها الأديب ومواقف تأثر بها، وهموم عانى منها في ذلك البلد الأجنبي طالت أم قصرت مدة إقامته فيها، والتعبير عن كل ذلك بأسلوب أدبي شائق يغري القارىء بمواصلة القراءة من أول لآخر سطر، دون ملل أو كلل. ورغم أن لأدب الرحلات سمات وخصائص تميزه كما سبق أن ذكرت، إلا أن أهم ميزة من وجهة نظري هي الحرية، حرية الأديب في أن يكتب كيفما شاء، يضحكنا تارة ويبكينا تارة أخرى، وقد نشعر أحيانا أننا بصدد قصة قصيرة، و قد نقرأ شعرا،أو نشعر وكأننا طرفا في نقاش أو موجودين مع الأديب في نفس الأحداث، نتفاعل معه فيها. مدى نجاح الأديب في كتاب كاملته في أدب الرحلة بصفة خاصة يتوقف في نظري على كم التعايش الوجداني الذي يخلقه في قلب وضمير القارئ، فكلما تأثر القارئ أكثر واندمج في أحداث القص، كان ذلك برهانا على قدرة الكاتب وتميزه في كتاب كاملته
من أشهر الرحالة العرب
ابن فضـلان


صاحب كتاب كامل رسالة ابن فضلان، ولد في القرن العاشر الميلادي، أرسله الخليفةالعباسي المقتدر بالله من بغداد إجابة لملك الصقالبة - في روسيا - لتعليمهالإسلام وبناء مساجد وحصن له من أعدائه، فأرسل ابن فضلان على رأس وفدالعلماء والفقهاء وأمضى 3 سنوات من (921- 924) في بلاد الروس والصقالبةوالخرز والاسكندنافيه.
ابن جبـــــــــير

صاحب كتاب كامل تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار، عرف بـ :رحلة ابن جبيروهومن الأندلس، اسمه محمد بن أحمد بن جبير الكناني، المعروف بابن جبير ولد فيبلنسية بأسبانيا سنة 540 هـ (1145) وتعلم على يد أبيه وغيره من العلماء فيعصره، ثم استخدمه أمير غرناطة أبو سعيد بن عبد المؤمن ملك الموحدين فيوظيفة كاتم السر فاستوطن غرناطة.
وكان الأمير أبو سعيد استدعاه يوما ليكتب عنه كتاب كاملا وهو يشرب الخمر، فأرغمابن جبير على شرب سبعة كئوس من الخمر وأعطاه سبيعة أقداح دنانير، لذلك صممابن جبير على القيام برحلة الحج بتلك الدنانير تكفيرا عن خطيئته، وأقام فيسفره سنتين ودوَّن مشاهداته وملاحظاته في يوميات، حوالى سنة 582هـ/ (1186) وتداول كتاب كامله الشرق والغرب حتى قام المؤرخ والمترجم الإنجليزى ويليام رايتبنشره وطبعه في كتاب كامل جمع عددا كبيرا من الرحلات لرحالة وحجاج عرب وأجانبمسلمين ومسيحيين ويهود).
العلامة الإدريسي
صاحب كتاب كامل :نزهة المشتاق في اختراق الآفاق،للإدريسي، واسمه أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس.
أحد كبار علماء المادة الجغرافيا، كما أنه كتب في المادة التاريخ، والأدب، والشعر، والنبات ودرس الفلسفة، والطب، والنجوم، في قرطبة.
ولد في مدينة سبتة شمال المغرب عام 493 هـ (1100) و مات عام 560 هـ (1166). زار الحجاز ومصر. وصل سواحل فرنسا وإنكلترا. سافر إلى القسطنطينيةوسواحل آسيا الصغرى. استخدمت خرائطه في سائر استكشافات الرحالة الغربيينفي عصر النهضة الأوربية، حيث حدد في خرائطه التي نشرت بكتاب كامله اتجاهاتالأنهار والمرتفعات والبحيرات، ومنابع نهر النيل وضمنها أيضًا معلومات عنالمدن الرئيسية بالإضافة إلى حدود الدول.
انتقل الإدريسي إلى صقلية بعد سقوط الحكومة الإسلامية، لأن ملكها في ذلكالوقت :روجر الثاني كان محباً للمعرفة، فشرح مفصل الإدريسي لروجر موقع الأرض فيالفضاء مستخدمًا في ذلك البيضة لتمثيل الأرض، شبه الإدريسي الأرض بصفارالبيضة المحاط ببياضها تماما كما تهيم الأرض في السماء محاطة بالمجرَّات.
الرحالة ابن بطوطة

يعتبر ماركو بولو أشهر رحالة العالم في العصور الوسطى. فقد كان رجلاً استثنائياً خرج في مغامراته إلى أراض بعيدة مجهولةواستكشفأرجاء مثيرة من العالم في أسفاره ليسرد لنا قصة رائعة عن تجاربه مع شعوبوثقافات غريبة. لكن كم منا يا ترى يعرف أن رجلاً آخر عاش في الفترةذاتها تقريباً التي عاش فيها ماركو بولو غير أنه سافر أكثر منه؟ إنه ابن بطوطة, الرحالة العربي الذي فاق كل رحالة عصره وقطع حوالي 75 ألف ميل تقريباً في أسفاره. كما أنه أيضاً الرحالة الوحيد في العصور الوسطى الذي رأى بلاد كل حاكم مسلم من حكام عصره.
في رحلته التيأراد منها أن يحج إلى مكة, زار ابن بطوطة خلالها شمال أفريقيا وسورية. ثمخرج يستكشف باقي الشرق الأوسط وفارس وبلاد الرافدين وآسيا الصغرى. ووصلإلى شبه القارة الهندية وأمضى هناك قرابة عقد في بلاط سلطان دلهي الذيأرسله سفيراً له إلى الصين.
بعد 30 عاماً منالترحال والاستكشاف, قرابة عام 1350, بدأ ابن بطوطة طريق عودته إلى وطنه. وأخيراً عاد إلى مدينة فاس في المغرب. وهناك, في بلاط السلطان ابن عنان, قرأ أوصاف ما رآه في أسفاره على ابن الجوزي. الذيخطمنها كتاب كاملاً. وهذا الكتاب كامل موجود بين أيدينا اليوم ويعرف بعنوان "رحلات ابن بطوطة".
يتحدث كتاب كاملالرحلات عن المغامرات التي عاشها ابن بطوطة في أسفاره. فخلالها تعرضللهجوم مرات كثيرة, وفي إحداها كاد يغرق مع السفينة التي يستقلها, وفيأخرى أصبح على وشك أن يلاقي مصيره إعداماً على يد أحد الزعماء الطغاة. كماتزوج عدداً من المرات وعرف أكثر من عشيقة, الأمر الذي جعل منه أباً للعديد من الأبناء أثناء سفره.
من طنجة للعالم في 30عاماً
ولد ابن بطوطة في طنجة بالمغرب عام 1304 لعائلة عرف عنها عملها في القضاء. وفي فتوته درس الالشريعة الاسلامية وقرر عام 1325, وهو ابن 21 عاماً, أن يخرج حاجاً. كما أمل من سفره أن يتعلم المزيد عن ممارسة الالشريعة الاسلامية في أنحاء بلاد العرب.
في أول رحلة له مر ابن بطوطة في الجزائر وتونس ومصر وفلسطين وسوريا ومنها إلى مكة. وفيما يلي مقطع مما سجله عن هذه الرحلة:
"كانخروجيمن طنجة مسقط رأسي... معتمداً حج بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول عليهالصلاة والسلام, منفرداً عن رفيق آنس بصحبته, وركب أكون في جملته, لباعثعلى النفس شديد العزائم, وشوق إلى تلك المعاهد الشريفة... فجزمت نفسي على هجر الأحباب من الإناث والذكور, وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكور, وكان والداي بقيد الحياة فتحملت لبعدهما وصباً, ولقيت كما لقيا نصباً."
في تلك الأيام الخوالي, كان السفر عبر هذهالمسافات الشاسعة والمغامرة بدخول أراض غريبة مجازفة. غير أن ابن بطوطةكانت لديه الجرأة, أو على الأقل العزم, بما يكفي للشروع في رحلته وحيداًعلى حمار. وفي الطريق, التحق بقافلة من التجار, ربما بدافع السلامة, وكانتالقافلة تتكاثر مع الطريق بانضمام المزيد إليها. ومع وصولهم القاهرة كانتعداد القافلة قد بلغ عدة آلاف من الرجال ولم يتوقف بعد عن الازدياد. ولابد أن ابن بطوطة قد أحس بإثارة بالغة لتقدم رحلته. فقد كانت أول تجاربهالمباشرة في تعلم المزيد عن أكثر ما يهواه, وهو دار الإسلام. فقد قابل علماء المسلمين واكتسب مزيداً من المعارف الدينية والشرعية.
الجزائر وليبيا
حينوصولهم إلى الجزائر, أمضت القافلة بعض الوقت خارج أسوار المدينة لينضمإليها مزيد من الحجيج. وعند مدينة بجاية, تدهورت صحة ابن بطوطة. غير أنهبقي عازماً على مواصلة المسير وعدم التخلف عن الركب بسبب صحته. ومشيراًإلى هذا الحادث يقول: "إذا ما قضى الله أجلي, فسيكون موتي على الطريق, ميمماً وجهي شطر مكة."
وأثناء مسيرةالقافلة في أراضي ليبيا, وجد ابن بطوطة أن من المناسب له أن يتزوج ابنةتاجر تونسي مسافر معهم في القافلة إلى الحج. وقد تزوجها ابن بطوطة فيمدينة طرابلس, غير أن الزواج لم يعمر طويلاً بسبب خصومته مع حميه الجديد. لكن على ما يبدو لم يزعج هذا ابن بطوطة كثيراً فسرعان ما خطب فتاة أخرى هي ابنة حاج من فاس. وفي هذه المرة كان حفل الزفاف يوماً كاملاً من الاحتفالات.
مصر وسوريا
بدأت القافلة تقترب من مصر. وقد أذهلت القاهرة ابن بطوطة, إذكانت كما هي اليوم, أكثر المدن مادة اللغة العربية صخباً ونشاطاً ولهذا قرر أن يمضي فيها بضعة شهور. إذلا يزالعلىموعدالحج على أية حال ثمانية شهور. كانت القاهرة كما وصفها ابن بطوطة "أمالمدن, سيدة الأرياف العريضة والأراضي المثمرة, لا حدود لمبانيها الكثيرة, لا نظير لجمالها وبهائها, ملتقى الرائح والغادي, سوق الضعيف والقوي... تمتد كموج البحر بما فيها من خلق بالكاد تسعهم..."
بقي ابن بطوطة فيالقاهرة قرابة شهر. وحين رحيله عنها قرر أن يسلك طريقاً غير مباشر إلى مكةمادامت شهور عديدة تفصله عن موعد الحج. ومضى إلى دمشق, التي كانت حينهاالعاصمة الثانية للدولة المملوكية في مصر. لم يكن هذاالجزء من رحلة ابن بطوطة مليئاً بالأحداث, ربما لاستتباب الأمن فيه نسبياًفي عهد المماليك. لكن دمشق سحرت ابن بطوطة بجو التسامح والتعاضد الذييسود فيها. وعنها يقول: "تنوع ونفقات الأوقاف الدينية في دمشق تتجاوز كلحساب. هناك أوقاف للعاجزين عن الحج إلى مكة, ومنها تدفع نفقات من يخرجونللحج نيابة عنهم. وهناك أوقاف أخرى توفر أثواب الزفاف للعرائس اللائي تعجزعوائلهن عن شرائها, وأوقاف أخرى لعتق رقاب السجناء. وهناك أوقاف لعابريالسبيل تدفع منريعها أثمان طعامهموكسائهمونفقات سفرهم لبلدانهم. كما أن هناك أوقافاًلتحسين ورصف الدروب, لأن كل الدروب في دمشق لها أرصفة على جانبيها يمشي عليها الراجلون, أما الراكبون فيمضون في وسط الدرب."
أخيراً مضى ابنبطوطة للحج. وبعد قضائه مناسك الحج, أدرك أن نفسه تواقة أكثر من أي وقتمضي لمواصلة الترحال. ولم يكن لديه بلاد بعينها يريد أن يقصدها, بل كانهدفه الوحيد هو زيارة قدر ما يستطيع من البلدان, لكنه توخى أن يعبر دروباًمختلفة. وهكذاتنقل في الشرق الأوسط بأكمله, من إثيوبيا جنوباً إلى فارس شمالاً. "ثمسافرنا إلى بغداد, دار السلام وعاصمة الإسلام. فيها شاهدت جسرين كالذي في الحلة, يعبرهما الناس صباح مساء,رجالاً ونساء. الدروب إلى بغداد كثيرة ومعمرة بإتقان, معظمها مطلي بالزفت من نبع بين الكوفة والبصرةيفيض منه بلا انقطاع. ويتجمع على جوانب النبع كالطينفيجرف من هناك ويؤتى به إلى بغداد. في كل معهد ببغداد عدد من الحماماتالخاصة به, وفي كل منها جرن اغتسال عند أحد أركانها يتدفق الماءفوقهمن صنبورين أحدهما للماء الساخن والآخر للبارد. ويعطى كل مغتسل ثلاثمناشف, واحدة ليلفها حول خصره حينما يدخل والأخرى ليلفها حول خصره حينمايخرج والثالثة ليجفف بها جسده."
ثم توجه ابن بطوطةشمالاً ليستطلع بحر قزوين والبحر الأسود وجنوب روسيا. لكن أسفاره اللاحقةالأكثر متعة كانت إلى الشرق في آسيا. فقد قصد الهند حيث نال هناك إعجابالإمبراطور المغولي لمعارفه وقصصه. وعرض الإمبراطور على ابن بطوطة منصباًفي بلاطه فقبله. وهذاما أتاح له الفرصة ليجوب كل أنحاء الهند. وبعد اكتسابه معرفة وفيرة ببلادالهند لكثرة أسفاره فيها, أرسله الإمبراطور سفيراً للهند إلى الصين. وكانمقدراً لهذهالرحلة أن تكون الأخيرة قبل عودته ابن بطوطة لوطنه. فرغم بعد المسافة قررأن يقصد المغرب. وقد وصل شمال غرب إفريقيا عام 1351. وقبل عودته أخيراًإلى فاس في المغرب عام 1353 خرج في رحلة صغيرة إلى إسبانبا ثم في سفرةجنوبية إلى الصحراء الكبرى.
الوطن وكتاب كامل الرحلات
في فاس, أعجب سلطان المغرب ابن عنان (1348- 1358 تقريباً) جداً بأوصاف البلاد التي قصها عليه ابن بطوطة وأمره بأن يلزم فاس ويضع هذه القصص في كتاب كامل. وفعلاً, بمساعدة كاتب طموح هو ابن الجوزي الكلبي (1321- 1356 تقريباً), ألف ابن بطوطة كتاب كامله الشهير "الرحلات" في أربعة أجزاء منفصلة. وربما كانابن الجوزي قد أضاف للكتاب كامل قليلاً من العنصر القصصي بين الحين والآخر بهدفالتشويق وسهولة التواصل مع القراء, لكن يعتقد عموماً أنه التزم تماماً بماسرده ابن بطوطة عليه. غير أن الغريب هو أن كتاب كامل "الرحلات" لم يكتسب شعبيةفي الغرب إلا مؤخراً نسبياً, في القرن التاسع عشر, حينما ازداد التواصل معأوروبا وقدم الكتاب كامل هناك ليترجم إلى الإنجليزية والمادة الفرنسية واللغاتالأوروبية الأخرى. ويقدرالباحثون الأوروبيون كتاب كامل الرحلات عالياً باعتباره وثيقة مادة التاريخية مهمة.
بعد انتهائه من كتاب كامل الرحلات. لم يخرج ابن بطوطة, الذي تقدم في السن, بأي رحلة مطولة لا إلى الصحاري ولا غيرها. بل أخذيعمل في القضاء ويواصل نشر ما اكتسبه من حكمة خلال أسفاره. ورغم عدم توفرمعلومات وافية عن السنوات الأخيرة من عمره, إلا أننا نعرف أنه توفي عن عمر 65 عاماً. وبعد سنين طويلة من وفاته ظل ابن بطوطة صاحب أطول أسفار فيالعالم. واليوم حصل ابن بطوطة على التقدير الذييستحقه بجدارة في عالم الاستكشاف. فلتخليد انجازاته الفريدة في الأسفار, أطلق علماء العصر اسم ابن بطوطة على إحدى الفوهات البركانية على سطحالقمر.
مدن المغرب العربي بأقلام الرحالة العرب :
مدينة الجزائر
عاصمة لـلقطر الجزائري منذزهاء خمسة قرون، وقد تنقلت عاصمة القطر الجزائري (المغرب الأوسط قبلذلك بين مدائن: تيهرت والقلعة، وبجاية، وتلمسان.
وكانت الجزائر فيالقديم تحمل اسم "ايكسيوم" أو "اقسيوم"، وقد أسسها هركول الفينيقي وأصحابهالعشرون فردا، ولذلك سميت بهذا الاسم الذي يدل باللغة اليونانية القديمةعلى عدد عشرين إشارة إلى بناتها "وكانت ،المدينة، أيام الاحتلالالروماني قليلة الأهمية، ثم خربت أثناء هجمات الوندال وثورات البربر،وأصبحت مستقرا لقبيلة بربرية تدعى "بني مزغنة" بكسر الميم والغين وسكونالزاي وتشديد النون"، وفي منتصف القرن الرابع الهجري (العاشرالميلادي) أسس ُبلكّين بن زيري بن َمنّاد الصنهاجي في عهد والدهوبأمر منه مدينة سماها "جزائر بني مزغنة" وقد بنيت على أنقاض المدينةالفينيقية السالفة الذكر وكان موقعها على ما حققه علماء الآثار في سفحالقصبة أي في ساحة الشهداء والجامع الأعظم المالكي. ، »وأخذ نموالجزائر يتزايد إلى أن هاجمت القبائل مادة اللغة العربية (الهلاليون) سهول متيجةفاستولت قبيلة الثعالبة على جزائر بني مزغنة وسكنتها، ولم ضعفت الدولةالزيانية وتكالب الأسبان على سواحل إفريقيا، احتلوا الجزائر وأسس (بيدرونفارو) حصنا في أكبر جزائرها (جمع جزيرة) وهو (مكان برج الفنار اليوم)،يبعد عن المدينة نحو 300 متر ويجعلها دائما تحت تهديد مقذوفاته، وذلك سنة 1510م وضاق أهل الجزائر ذرعا بالإهانة الإسبانية، فاستصرخوا لنجدتهمالأخوين بربروس خير الدين وعروج رايس ،وكانا أشد الناس صلابة في الإيمانوأقواهم شكيمة في البحر فقدما... (إلى) الجزائر وكسرا الإسبانيين بإعانةأهل المدينة شر كسرة سنة أولى516 (وعين) خير الدين ملكا على الجزائر وازدانتأيامه بالعدل والخير واعترف حتى أعداؤه بفضائله وكمالاته، وحاول المسيحيونإعادة الكرة على المدينة فردتهم المدينة مذمومين مدحورين في سنة أولى519 م،وفي عام 1529 م تمكن خير الدين من الاستيلاء على الحصن الإسباني الذي بقيمهددا للمدينة من البحر وجعله حصنا إسلاميا ....(ومنذ ذلك الحين) أصبحتالجزائر عاصمة للمملكة العظمى التي تشمل القطر الجزائري، وتبسط نفوذها علىالبلاد التونسية، وكانت (الجزائر) دولة (قوية) يملأ أسطولها البحار رعبايسالم من سالمه ويحميه ويـفديه، ويحـارب من حاربه ويدمـره...«
الجزائر في عيون الرحالة العرب
وقدأفاض في وصفها الرحالة العرب واستوقفت معالمها المؤرخون، وقد وصفهاالأصطخري في أوائل القرن الرابع الهجري، فقال: "وجزائر بني مزغنة مدينةعامرة يحف بها طوائف من البربر، وهي من الخصب والسعة على غاية ما تكونالمدن" كما وصفها ابن حوقل عندما زارها في عهد بلكين أي حوالي سنة 337 هـ، فقال: " وجزائر بني مزغنة مدينة عليها سور في نحو البحر، وفيهاأسواق كثيرة ولها عيون على البحر طيبة، وشربهم منها، ولها بادية كبيرة،وجبال فيها قبائل من البربر كبيرة، وأكثر المواشي من البقر والغنم سائمةفي الجبال ولهم من العسل ما يجهز عنهم والسمن والتين ما يقع به وبغيره، منهذه الأسباب الجهاز إلى القيروان وغيرها، ولهم جزيرة تحاذيها في البحر إذانزل بهم عدو لجأوا إليها، فكانوا بها في منعة وأمن".
ويصفها البكري في كتاب كامله المسالك والممالك بقوله: »....وهي مدينة جليلة قديمة البنيان، فيها آثار للأول وأزاج محكمة تدل على أنها كانت
دار ملك لسالف الأمم«.
أماابن زاكور (ت 1120 هـ) الشاعر المغربي المعروف، فقد قدم إلى الجزائر بحراسنة أولى093 هـ، واجتمع بعدد من علمائها وأخذ عنهم واستجازهم، وحصل علىالإجازات التي كانت آنذاك بمثابة الشهادات العلمية، ثم عاد إلى بلده،فيقول في وصف مدينة الجزائر: »وأنه لما من علي المولى الكريم، ذو الفضلالسابغ العظيم، بدخول مدينة الجزائر، ذات الجمال الباهر، وحلول مغانيهاالنواضر، التي غص ببهجتها كل عدو كافر، فلذلك يتربصون بها الدوائر فيالموارد والمصادر، ويرسلون عليها صواعق لم تعهد في الزمن الغابر، أبرأنيمن غليلي ووجدي ما عانيته من روائها العسجدي، وبحرها اللازردي، إذ هيكما قيل:
بلدٌ أعَارَتْهُ الحَمَامَةُ طوْقَهَا وكساهُ حُلَةً ريشَهُ الطّاوُوسُ
ماشئت من حدائق، كالنمارق، وقصور نوعُ المحاسن من عليها مقصور، والذي أعارهاذلك المرأى الجميل، وأصارها فضية الصباح عسجدية الأصيل، وألحفها بهجةوإشراقا، وألبسها نضرة وإبراقا وأبدها للعيون آنق من جيرون "
تيهــــــــــرت :

فازدهرت تيهرت وبلغت شهرتها الآفاق ، وشدت إليها الرحال للتجارة والسكن والعيشالرغيد الآمن ، مما جعل الكتاب كامل والرحالة يقصدونها ويشيدون بها ومن ذلك ما قالهالمقدسي واصفا لها فيقول : " ... هي بلخ المغرب ، قد أحدقت بها النهار ، والتفت بهاالأشجار ، وغابت في البساتين ، ونبعت حولها العين ، وجل بها الإقليم ، وانتعش فيهالغريب ، واستطابها اللبيب ، يفضلونها على دمشق وأخطأوا ، وعلى قرطبة وما أظنهمأصابوا ، هو بلد كبير ، كثير الخير رحب ، رقيق طيب ، رشيق الأسواق ، غزير الماء ،جيد الأهل ، قديم الوضع ، محكم الرصف ، عجيب الوصف
ولقد اهتم أئمة الدولة الرستمية بالجانب الاقتصادي لدولتهم ، فاهتموا بالزراعة وكانت تكثر فيها البساتين وزراعة الحبوب ، والعصفر والكتان والسمسم ، والنخيل ، ومختلف الفواكه ، والتين والزيتون ، فكانت تدر عليهم أرباحا طائلة ، وقد كانت تكثر فيها الأنهار ، وأقام الرستميون خزانات وأحواض للماء كبيرة اكتشفها الأثريون ، وكانت محكمة التصميم والهندسة ، ليحافظوا على الماء أيام الجفاف ، بل إنهم أوصلوا الماء إلى البيوت عن طريق الأنابيب وشق القنوات . واهتموا كذلك بالرعي وتربية الماشية ، لكثرة المراعي الخصبة في الدولة الرستمية ، فكانوا يربون الغنم والبقر والجمال والخيول والبغال والحمير ، وكانت تجارتها رائجة ، وتصدر إلى الدول المجاورة ، وكانوا يستغلونها في إنتاج الصوف ، قال ابن حوقل يصف الماشية في تيهرت وأحوازها : " وهي أحد معادن الدواب والماشية والغنم والبغال والبراذين الفراهية ، ويكثر عندهم العسل والسمن " .
حتى أن بعضهم كان يمتلك مئات الآلاف من الماشية ، التي كانت عمادا لبيت مال المسلمين ، قال الإمام عبد الوهاب : " لولا أنا ومحمد بن جرني ويبيب بن زلغين لخرب بيت مال المسلمين : أنا بالذهب ، ومحمد بن جرني بالحرث ، وابن زلغين بالأنعام " .
وكذلك كان لهم اهتمام كبير بالصناعة ، فكانت توجد في الدولة الرستمية العديد من الصناعات والحرف كالنجارة والحدادة والخياطة والدباغة والطحن ، وصناعة السفن والقوارب ، وصناعة الزجاج والفخار والتحف والعطور ، والخشب المنحوت والمخطوط والمموه والمرصع بالعاج أو الصدف ، وصناعات الذهب والفضة ، حتى أنها كانت تضرب منها الدراهم والدنانير ، فكانت لها عملاتها الخاصة التي كشفت عنها الآثار .
وقد اهتم الرستميون بالتجارة أيما اهتمام ، فأنشئوا الأسواق في مختلف المدن ، فكانت رائجة بشتى أنواع البضائع والمؤن التي تأتي من داخل الدولة الرستمية نفسها أو من الدول الأخرى عن طريق العلاقات التجارية ، حيث أنه كانت للدولة الرستمية علاقات تجارية مع الكثير من الدول كالأندلس ومصر وبلاد السودان وغيرها من الدول في المشرق والمغرب ، فكانت القوافل التجارية تخرج من الدولة الرستمية محملة بشتى أنواع البضائع والمؤن إلى تلك الدولة ، وتعود كذلك محملة بالبضائع التي تنتج في تلك البلاد ، وكانت تجارة الذهب وبيع الرقيق رائجة في ذلك الوقت ، وللدولة الرستمية نشاط كبير فيها ، ووصل النشاط التجار ي في الدولة الرستمية إلى حد أنه كان يوجد بها التخصص في الأسواق ، فكان بها سوق النحاس ، وسوق الأسلحة ، وسوق الصاغة ، وسوق الأقمشة وغيرها من الأسواق .
وقد قام الأئمة الرستميون بإنشاء بيوت للأموال في مدن الدولة الرستمية ، وبيت مال مركزي في العاصمة تيهرت مع دار للزكاة ، وكانت موارد بيوت المال تختلف عن موارد دار الزكاة ، فدار الزكاة مورده هو أموال الزكاة فقط ، وكانت تصرف أموال الزكاة من هذه الدار لمستحقيها الشرعيين الذين حددهم الله تعالى في كتاب كامله في قوله : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين ... والله عليم حكيم } التوبة : 6 .
وأما دور الأموال فكانت مصادرها الجزية وخراج الأراضي والضرائب والرسوم التي تؤخذ على القوافل التجارية والتجار والحرفيين ، وكانت أموال هذه الدور تسخر في أجور الموظفين في الدولة ، وفي بناء المساجد والطرقات والأسواق ومصالح المسلمين .
أيضا فإننا نجد أن الرستميين اهتموا بالجانب العلمي والفكري اهتماما كبيرا ، ولا أدل على ذلك أن من الشروط الأساسية في إمام الدولة حتى يتم انتخابه ، أن يكون عالما بأمور الالشريعة الاسلامية والسياسة والحكم .
فاهتمت الدولة بإنشاء المؤسسات التعليمية كالكتاب كامل ـ أماكن للتعليم ـ وكذلك إقامة حلق العلم في المساجد سواء في التفسير أو الحديث أو الفقه أو اللغة وغيرها من العلوم ، حتى أن أئمة الدولة الرستمية كانوا يساهمون في التعليم بأنفسهم ولا يأنفون من ذلك أو يتكبرون ، كالإمام عبد الوهاب الذي قضى سبع سنوات يعلم الناس أمور الصلاة في جبل نفوسة ، أو الإمام أفلح الذي دارت عليه أربع حلق للعلم قبل أن يبلغ الحلم .
وكذلك اهتمت الدولة الرستمية بإنشاء المكتبات العلمية الزاخرة بمختلف فنون العلم والآثار ، ومن مكتباتها المشهورة مكتبة " المعصومة " التي كانت تحوي آلافا من المجلدات والكتب ، أوصلها بعض الباحثين إلى ثلاثمائة ألف مجلد ، فكانت تحوي بين رفوفها كتبا في علوم الالشريعة الاسلامية من تفسير وحديث وفقه وتوحيد ، وكتبا في الطب والمادة الرياضيات والهندسة والفلك والمادة التاريخ واللغة وغيرها من العلوم المختلفة ، ولم تكن كتبها مقتصرة على مذهب بعينه بل كانت تجمع مؤلفات لمختلف المذاهب الإسلامية ، ومن المكتبات المشهور الأخرى " خزانة نفوسة " الجامعة لآلاف الكتب ، وكذلك لم تخل منازل العلماء في الدولة الرستمية من وجود المكتبات الخاصة .
وهذه النهضة العلمية لابد وأن يواكبها نهضة في مجال التأليف ، فحازت الدولة الرستمية قصب السبق في ذلك ، فقدم أئمتها وعلماؤها للأمة الكثير من المؤلفات في مختلف فنون العلم سواء الدينية أم الدنيوية ، وكان أئمة الدولة الرستمية في مقدمة الركب في ذلك ، كالأمام عبد الرحمن الذي ألف كتاب كاملا في التفسير ، وكتاب كاملا جمع فيه خطبه ، والأمام عبد الوهاب الذي ترك لنا كتاب كاملا يعرف بـ " مسائل نفوسة الجبل " ، وأما الإمام أفلح فقد ترك لنا الكثير من المؤلفات والرسائل العلمية منها المطبوع ومنها المخطوط ، وأما الإمام أبو اليقظان فكان من المكثرين في التأليف ومن مؤلفاته " رسالة في خلق القرآن " وغيرها من المؤلفات ، هذا بالنسبة لأئمة الدولة الرستمية ، وأما علماؤها فحدث عنهم في مجال التأليف بلا حرج .
كذلك فإن الدولة الرستمية لم تهمل جانب العلوم العقلية كعلم الكلام وغيره ، فكانت تجري بين العلماء من مختلف المذاهب الإسلامية والتيارات الفكرية المناظرات والمناقشات العلمية بحرية تامة وبلا تضييق ، وذلك أن الدولة الرستمية عاش في كنفها الكثير من اتباع المذاهب الإسلامية كالإباضية والمعتزلة والصفرية والحنفية والمالكية والشيعة وغيرهم ، بل كان هناك وجود لليهود والنصارى كما ذكرنا .
ويحدثنا ابن الصغير عن ذلك فيقول : " من أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم ، قربوه وناظروه ألطف مناظرة ، وكذلك من أتى من الإباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله كذلك " ، وابن الصغير نفسه كانت له مناظرات مع علماء الدولة الرستمية من الإباضية .
كذلك نجد أن الدولة الرستمية كان لها اهتمام بالأدب العربي من شعر ونثر ، فأما النثر فيظهر ذلك جليا من خطب أئمة الدولة الرستمية ومراسلاتهم ، وأما الشعر فكان لهم نصيب فيه ولكن ليس كالنثر ، ومن شعراء الدولة الرستمية الإمام أفلح بن عبد الوهاب ، ومن قصائده العصماء تلكم القصيدة في فضل العلم التي يقول في مطلعها :
العلم أبقى لأهـل العلم آثـارا :: وليلهم بشموس العلم قد نـارا
يحيى به ذكرهم طول الزمان وقد :: يريك أشخاصهم روحا وأبكارا
حي وإن مات ذو علم وذو ورع :: إن كان في منهج الأبرار ما مارا
ومن شعراء الدولة الرستمية شاعر تيهرت بكر بن حماد الزناتي ، ومن شعره :
قف بالقبـور فنادي الهامدين بهـا :: من أعظم بليت فيها وأجساد
قـوم تقطعت الأسـباب بينهـم :: من الوصال وصاروا تحت أطواد
راحوا جميعا على الأقدام وابتكروا :: فلن يروحوا ولن يغدوا لهم غادي
والله والله لـو ردوا ولو نـطقوا :: إذا لقالوا : التقى من افضل الزاد
وقد كانت للدولة الرستمية علاقات ثقافية مع بلدان المغرب والأندلس ، ومع بلاد السودان وبلدان المشرق العربي ، فكانت بينهم مراسلات ولقاءات .
كذلك فإن الدولة الرستمية تميزت بجمالها المعماري ، فكان بها القصور والبيوت والمساجد والأسواق والفنادق والحمامات يحيط بكل ذلك سور ، وكانت تمر خلالها المياه حتى تصل إلى البيوت ، وقد تفنن الرستميون في بناء دولتهم حتى وصفت بعراق المغرب ، وببلخ المغرب .
وقد أطنب المأرخون والرحالة في وصف جمالها وحسنها ، وقد ذكرنا شيئا مما ذكره المقدسي ، ولنستمع إلى ابن الصغير وهو يصف تيهرت في عهد الإمام افلح فيقول : " ... وشمخ في ملكه ، وابتنى القصور ، واتخذ بابا من حديد ، وبنى الجفان ، وأطعم فيها أيام الجفاف ... وعمرت معه الدنيا ، وكثرت الأموال والمستغلات ، وأتته الرفاق والوفود من كل الأمصار والآفاق بأنواع التجارات ، وتنافس الناس في البنيان ، حتى ابتنى الناس القصور والضياع خارج المدينة ، وأجروا النهار ... " .
ومن أشهر مدن الدولة الرستمية : مدينة " تيهرت " العاصمة ، ومدينة " وهران " ومدينة " شلف " ومدينة " الغدير " والمدينة " الخضراء " وغيرها من المدن .
وكان للمرأة دور بارز في الدولة الرستمية ، فأنجبت لنا الدولة الرستمية العديد من العالمات والمصلحات ، كأمثال أخت الإمام أفلح ، وأخت الشيخ عمروس ، اللتان تعدان من عالمات الدولة الرستمية ، ولا أدل على بروز المرأة في المجتمع الرستمي وانتنشار العلم بينهن من كلام أحد أفراد الدولة الرستمية واصفا ذلك فيقول : " معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم منزلة يبيت فيها القمر " هذا بالنسبة للإماء فما بالنا بالحرائر .
كذلك فإن أئمة الدولة الرستمية اهتموا بالجانب العسكري للدولة ونشر الأمن والسلام في ربوعها ، فكانت لهم الجيوش الجرارة التي تحمي الدولة من اعتداء الغاشمين ، وكان لهم الوزراء والولاة والقضاة الذين يعينون الإمام في تسيير دفة الحكم والمحافظة على حقوق الشعب ، وكانت لهم الشرطة التي تحافظ على الأمن والنظام في مدن الدولة الرستمية وأسواقها .
وقد ساهمت الدولة الرستمية مساهمة فعالة في نشر الإسلام في إفريقيا السوداء عن طريق ممارسة التجارة مع تلك المناطق التي لم تكن تعرف الإسلام قبل وصول تجار الدولة الرستمية حاملين معهم مشعل الهداية ، ومن أمثال هؤلاء الدعاة التجار الذي أنجبتهم الدولة الرستمية علي بن يخلف النفوسي الذي كان السبب في إسلام ملك مملكة مالي وشعبه .
وقد امتدت حدود الدولة الرستمية في فترة من فتراتها الزاهرة من حدود مصر شرقا إلى مدينة تلمسان في أقاصي المغرب الأوسط غرب .
وبعد هذا العمر المديد وهذه الإنجازات الضخمة التي قدمتها الدولة الرستمية للأمة الإسلامية ، هجم عليها أبو عبد الله الشيعي داعية الفاطميين في سنة الثانية96هـ ، فدمرها وعاث فيها فسادا ، وقتل أهلها ، ولم يكتف بذلك ، بل قام بإحراق مكتبة المعصومة بعد أن أخذ منها الكتب الرياضية والصناعية والفنية ، فقضى بذلك على تراث عظيم من تراث الأمة الإسلامية فحسبنا والله ونعم الوكيل .
هذه هي الدولة الرستمية الإسلامية ، والتي للأسف الشديد تجاهلها الكثير من المؤرخين والكتاب كامل القدماء أو المحدثين ، وإذا ذكروها لا يذكرونها إلا بقصد التجني عليها ، وتشويهها والتعتيم على الإنجازات العظيمة التي حققتها خدمة للأمة الإسلامية ، وكل هذا يعود إلى الأهواء السياسية ، و التعصبات المذهبية المقيتة التي عادت على هذه الأمة بالشر والوبال ، بالرغم من أن الدولة الرستمية أظلت بظلها مختلف المذاهب الإسلامية بل والديانات الأخرى ، مصانين الحقوق والكرامة

ومن أمثال هؤلاء المؤرخين الذين ظلموا الدولة الرستمية ، وكان حري بأمثالهم الإنصاف : ابن عبد الحكيم ( تـ : 257هـ ) صاحب كتاب كامل " فتوح مصر والمغرب والأندلس " ، والبلاذري ( تـ : 279 ) صاحب كتاب كامل " فتوح البلدان " ، وحتى ابن خلدون الذي شهد له بالموضوعية لم يسلم من ذلك .
عنابــــــــــــــــة :
ومن المدن صانعة المادة التاريخ (هيبون) أو بونة، أو بلد العناب، أو عنابة فهذه المدينة تقف اليوم صفحة مشرقة تروي لكل من يقرأها ويتأملها روائع أصحابها القدماء، وتحمل إليه صور الماضي البعيد، وما أقاموه شاهدًا على حضارتهم العريقة التي بلغت أوجها ذات يوم. وتحكي له مآثر أولئك القدماء الذين امتدت رقعة إمبراطوريتهم على مساحات شاسعة من العالم شرقا وغربا، وتحققت لهم الانتصارات تلو الأخرى. وتمتعت مدنهم بالأمن والازدهار والنهضة واتسمت بالفخامة والجمال في البناء ثم رحلوا عنها ولم يبقى إلا آثارهم لتكون عبرة لمن بعدهم.
وهو ما يفهم منه أن مدينة (بونة) عنابة أدت دورًا مادة التاريخيا عبر العصور والأجيال. فهي مدينة وميناء من أهم الموانئ على ضفة البحر المن التعليم المتوسط في المادة التاريخ القديم – وحتى في المادة التاريخ المعاصر أيضا – وأسهمت في ازدهار الحضارة الفينيقية والرومانية، وزرعت وجودها العمراني والتجاري والحضاري في البحر الأبيض المن التعليم المتوسط. ولعله لم يكن ليحدث هذا لو لا موقع بونة الاستراتيجي على البحر ومركزها عند ملتقى خطوط المواصلات والتجارة البرية والبحرية. ومن ثم لا نعدم قول القـائل إن مـوقع المدن » ذو تأثير كبير على مصير الإنسان ورخائه ونموه الاجتماعي وتطوره الحضاري عبر القرون(...)، ومن ثم على تكييف صلاته مع العالم الخارجي، وتفاعله مع مختلف الشعوب التي جاءت إلى هذه البلاد للتجارة أو للاستعمار أو لنشر المبادئ والإيديولوجية «. وهو ما نستخلصه من أقوال الرحالة والجغرافيين العرب والغربيين وأصافهم.
وقبل إيراد ذلك أو سرده أو التذكير بأن وصف الرحالة والجغرافيين للمدن لا يختلف كثيرًا عن وصف السائحين اليوم للمدن التي يزورونها إلا أنهم – أي القدماء – قيلا ما يذكرون عدد السكان والمساحة. وإنما كان همهم – فيما يبدو لي – تعداد أو وصف ما في تلك المدن من الحصون والجوامع والكنائس، والحمامات والشـوارع، والأسـواق والحيوانات والنتاج الزراعي والصناعي، والطبيعة المحيطة بذلك.
ومن الذين مروا على بونة أو نزلوا بها وأقاموا، أو وصفوها اعتمادًا على ما نقلوه من مـؤلفات الذين سبقوهم :
ابن حوقل النصيبي (تـ367ه) : فقد جاب هذا الرحالة (التاجر) في القرن الرابع§ الهجري (العاشر الميلادي) مختلف أقطار الأرض لأجل الدرس والتجارة والكسب، ومنه أقطار المغرب العربي شرقا وغربا، شمالا وجنوبا ولم تكن زيارته زيارة عابر سبيل، بل كانت مناسبة للدرس والتأمل فسجل لنا ملاحظات نعدها من أهم ما وصلنا في وصف المغرب منذ الفتح الإسلامي. وأكثر ما عني به الناحية الاقتصادية للمدن وللمناطق التي زارها، بحكم مهنة التجـارة التي كـان يمارسها. يقول في وصف بونة : » ومدينة بونة مدينة مقتدرة، ليست بالكبيرة ولا بالصغيرة (...) وهي على نحر البحر،
ولها أسواق حسنة، وتجارة مقصودة، وأرباح من التعليم المتوسطة، وفيها خصب ورُخص موصوف، وفواكه وبساتين قريبة، وأكثر فواكهها من باديتها، والقمح بها والشعير في أكثر أوقاتها (...) وبها معادن من حديد كثيرة، ويحمل منها إلى الأقطار الغزير الكثير، ويزرع بها الكتان، ولها عامل قائم بنفسه، ومعه من البربر عسكر لا يزول كالرابطة، ومن تجارتها الغنم والصوف والماشية من الدواب وسائر الكـراع. وبها من العسل والخير والميْرِ ما تزيد به على ما داناها من البلاد المجـاورة لها وأكثر سوائمهم البقر، ولهم إقليم واسـع وبادية وحـوزة بها نتاج كثير...«.
نلمس من خلال هذا الوصف الدقيق أن الرجل كان عالما وعارفا بروايات المتقدمين، وبخصائص الشعوب ومميزاتها، وبالمدن وطرق المواصلات والتجارة، وهو ما يؤهله لأن يكون الخبير الأول من بين الجغرافيين العرب بشؤون المغرب العربي عامة وبمدنه خاصة .
وظهر جغرافي كبير معاصر لابن حوقل في القرن الرابع الهجري وهو المقدسي (تـ378ه) الـذي بظهور كتاب كامله الموسوم بعنوان » أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم « تقدمت المادة الجغرافيا الوصفية تقدما كبيرًا في ذلك القرن، وقد وصف فيه مختلف ولايات المملكة الإسلامية التي زار أكثر مناطقها في المشرق والمغرب، وقد خص (بونة) بوصف مقتضب جدًا » وبونة بحرية مستورة بها بشر مشربهم من الآبار وبها معدن حديد «.



ثم تلاه في منتصف القـرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) جغرافي أنـدلسي له§ فضل كبير في تنمية المادة الجغرافيا، وهو أبو عبيد الله البكيري (تـ487ه) بكتاب كامله » المُغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب« وما جاء فيه من معلومات تتصل بالمغرب، استقاه صاحبه من معاصريه من العلماء والمسافرين، كما استقى من الكتاب كامل السابقين مثل: (ابن الوراق والجيهاني والمسعودي، وابن رسته) بمعنى أنه ينقصه عنصر المشاهدة الشخصية فيما كتبه عن المغرب حتى قيل: » إنه لم يتح له قط أن يجتاز مضيق جبل طارق «.
وعلى الرغم من هذا فالكتاب كامل غني أظهر فيه صاحبه معرفة كبيرة بالمدن والموانئ والطرق البحرية والقبائل، وما تعلق بالجوانب المادة التاريخية والإدارية والديبلوماسية. وقد وصف بونة وصفًا دقيقا وشاملا يؤكد ما سبق ذكره، يقول :
» ومدينة بونة أولية، وهي مدينة أغشتين (Saint Augustin) العالم بدين النصرانية، وهي على ساحل البحر في نشز من الأرض منيع مطل على مدينة سيبوس، وتسمى اليوم مدينة زاوي، وبينها وبين المدينة الحديثة نحو ثلاثة أميال، ولها مساجد وأسواق وحمام، وهي ذات ثمار وزروع وقد سورت بونة الحديثة بعد الخمسين وأربعمائة، وفي بونة الحديثة بير على ضفة البحر منقور في صخر صلد يسمى بئر النثرة منها يشرب أكثر أهلها، وبغربي هذه المدينة ماء سائح يسقي بساتين وهي مستنزه حسن ويطل على بونة جبل زغوغ، وهو كثير الثلج والبرد (...) ومدينة بونة برية بحرية كثيرة اللحم واللبن والحوت والعسل، وأكثر لحومها البقر، إلا أنها يصح بها السوادن ويسقم بها البيضان، وحول بونة قبائل كثيرة من البربر مصمودة وأورْبة وغيرهما، وأكثر تجـارها أندلسيون، ومستخلص بونة غير جباية المـال، عشرون ألف دينار «
ومن دون أن نتجاوز القرن السـادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) نقف على مصنف§ كبير في المادة الجغرافيا الوصفية، وهو كتاب كامل » نزهة المشتاق في اختراق الآفـاق« للشريف الإدريسي (تـ590ه) الذي يقول فيه :
» ... ومدينة بونة وسطة ليست بالكبيرة ولا بالصغيرة، ومقدار رقعتها كالأُربُس، وهي على نحر البحر، وكانت لها أسواق حسنة، وتجارة مقصودة وأرباح موجودة، وكان فيها كثير من الخشب موجود جيّد الصفة، ولها بساتين قليلة وشجر وبها أنواع من الفواكه ما يعم أهلها، وأكثر فواكهها من باديتها (...)، وبها معادن حديد جيد، ويزرع بأرضها الكتان، والعسل بها موجود ممكن، وكذلك السمن، وأكثر سوائمهم البقر ولها أقاليم وأرض واسعة تغلبت العرب عليها. وافتتحت بونة على يـد أحد رجـال الملك المعظم رجَّـار(Roger) في سنة ثـمان وأربعين وخمسمـائة (548ه)، وهي الآن في ضعف وقلة عمارة، وبها عامل من قبل الملك المعظم رجّار من آل حمّاد، وعلى مدينة بونة وبجنبيها جبل يدوغ، وهو عالي الذروة سامي القمة، وبه معادن الحديد... «.
ويطلع علينا في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) جغرافي كبير عني بهذه§ المسألة في مصنفه الضخم » معجم البلدان« وهو ياقوت الحموي (تـ626ه) الذي لا يختلف عمن سبقوه في وصف المدينة وغيرها. ويكاد يردد ما ذكروه، و» ينقل عن غيره كـل مـا كتبه عن المغرب وإفريقيا « مع بعض الاختلافات التي لا تكاد تذكر، يقول :
» بونة مدينة بإفريقيا بين مرسى الخرز، وجزيرة مزغناي، وهي مدينة حصينة مقتدرة، كثيرة الرُّخص والفواكه والبساتين وأكثر فاكهتها من باديتها، وبها معدن حديد، وهي على البحر ينسب إليها جماعة منهم : أبو عبد الملك مروان بن محمد الأسدي البوني، فقيه مالكي من أصحاب أبي الحسن القابسي، له كتاب كامل في شرح مفصل الموطأ، وأصله من الأندلس انتقل إلى إفريقيا، فأقام ببونة فنسب إليها، ومات قبل سنة (444ه) ويطل على بونة جبل زغزوغ «.
ثم يتلوه ابن سعيد المغربي (تـ673ه أو 685ه) في القرن نفسه (أي السابع الهجري§ الثالث عشر الميلادي) بكتاب كامله الموسـوم بعنوان » المادة الجغرافيا « الذي أسهم به في تقدم المادة الجغرافيا مادة اللغة العربية، وفي مادة التاريخ الشرق الأقصى خصوصا.
ولم يحذُ في وصف المغرب العربي والتعريف به حَذْوَ بعض من سبقـوه بالاعتماد على النقل والاقتباس، أو على روايـات التجار والمسافرين – وفي بعض الأحـوال من دون تمحيص – وترديد ما قالوه، وإنما فضل أن يقتصر على تقديم عصارة معرفته الشخصية، التي لا يُشك في دقتها وغناها وتعبيرها بصدق عن واقع القرن السابع الهجري الذي يكاد يخلو – وهو قول محقق كتاب كامل الرحلة المغربية للعبدري – من كتاب كامل يصفون ظروف وأحواله وعمرانه وما إلى ذلك. يقول بشأن بونة :
» وأول سلطنة إفريقيا على البحر مدينة بونة، وهي حيث الطول ثمان وعشرون (28) درجة، والعرض ثلاث وثلاثون (33) درجة وخمسون (50) دقيقة، ولها نهر من التعليم المتوسط ينصب في البحر بغربيها، وفي شرقيها مرسى الخرز المخصوص بالمرجان «.
ويذكر أنها مدينة جليلة عامرة خصيبة الزرع كثيرة الفواكه رخية. يتبين لنا من خلال هذا الوصف أن الرجل مولع ومهتم بالمادة الجغرافيا الوصفية والفلكية، محيط بالمعطيات الأساسية للمادة الجغرافيا، نحو كروية الأرض، وإحاطة الماء بها، وسرعة دورانها بين الأفلاك وطول المكان وعرضه...
كما زارها في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) الرحالة المغربي محمد§ العبدري البلنسي ووجدها - على حد قوله – في حالة لا تحسد عليها، فقد كانت تحت حصار مجموعة من النصارى لا يتعدى عددهم العشرين شخصا، منعوا ساكنيها من الدخول والخروج، وأسروا عددًا منهم وطـالبوا بالفداء، يقول :
» ثم وصلنا إلى مدينة بونة، فوجدنها بطوارق الغير مغبونة، مبسوطة البسيط، ولكنها بزحف النوائب مطوية مخبونة تلاحظ من كتب فحوصا ممتدة وتراعي من البحر جزره ومده. تغازلها العيون من جور النوائب وتأسى لها النفوس من الأسهم الصوائب، وقد أزعج السفر عن حلولها فلم أقض وطرًا من دخولها «.
وبعده إسماعيل أبو الفدا (تـ732ه) من جغرافيي القـرن الثامن الهجري (الرابع عشر§ الميلادي) وكتاب كامله » تقويم البلدان « الذي أكمل به – كما يروى– النقص الذي ظهر في كتب المادة الجغرافيا التي سبقته باستثنـاء (البكـري والإدريسي وابن سعيد المغربي) الذين قدمـوا – بحسب رأيه – كل ما يستحق التقديم من ناحية الوصف والمعطيات الفلكية معا.
وبعد ما ينقل قول ابن سعيد في وصف بونة يضيف :
» ... ومدينة بونة هذه مدينة جليلة، عامرة على البحر خصبة الزرع كثيرة الفواكه رخيصة، وبظاهرها معادن الحديد، ويزرع بها كتان كثير، وحدث بها عن قريب مغاصّ المرجان، ليس كمرجان مرسى الخرز «.
ومنه نأتي إلى ابن بطوطة (تـ777ه) الرحالة المعروف الذي زار بونة في القرن الثامن§ الهجري (الرابع عشر الميلادي)، ومكث بها أيامًا رفقة بعض التجار، ووصفها بأنها مدينة تجارية وكثيرة المطر والثمار والزرع فهي من هذه الناحية مدينة المحاصيل إن صح هذا التعبير.
يقول :»...ورحلنا إلى أن وصلنا بونة، ونزلنا بداخلها، وأقمنا بها أياما ثم تركنا بها من كان بصحبتنا من التجار لأجل الخوف (لأن الطرق غمرتها المياه) وتجردنا للسير وواصلنا الجد.
وحظيت أيضا بزيارة القلقـشـنـدي (تـ821ه) صاحب كتاب كامل : » صبح الأعشى في صناعة§ الإنشاء « في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) وهو من الناحية الجغرافية يغلب عليه النقل عن الجغرافيين والكتاب كامل السابقين وبخاصة عن البكري والإدريسي. ولا نكاد نعثر على شيء ذي بال باستثناء بعض الملاحظات التفصيلية هنا وهناك. ولا يختلف وصفه لبونة عما ذكره سابقوه، يقول : » ومنها بونة (...) وهي المسماة الآن (بلد العُنَّاب) عنابة وهي مدينة على ساحل البحر في أول الإقليم الرابع. قال ابن سعيد : (ويقصد به أبا سعيد المغربي) ثم ينقل عنه الطول والعرض، كما نقل ما اقتبسه أبو الفدا عن الإدريسي «.
وصف بونة كذلك أحد الرحالة المجهولين في كتاب كامل له وسم بعنوان » كتاب كامل الاستبصار «§ ظهر في القرن السادس الهجري (النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي)، يقول : » ومدينة بونة من بناء الأول، وفيها آثار كثيرة، وهي على ربوة مشرفة على فحوصها وقراها، وهي من أنزه البلاد، وأكثرها لبنا ولحما وحوتا، والبحر يضرب في سورها، وفيها بئر على ضفة البحر منقورة في حجر صلد، ماؤه أعذب ماء وأنفقه، ومنها يشرب أكثر أهلها لعذوبة مائها، وبقرب هذه المدينة ماء سائح يسقي بساتينها وأرضا، وموضع جناتها منتزه حسن، مشرف على البحر، ويطل على مدينة بونة جبل زغوغ وهو كثير الثلج والبرد (...) وبغربي بونة بركة في دورها خمسة عشر (15) ميلا وفيها سمك كثير جليل، وفيها طائر يعرف بالكيكل وهو يعيش على وجه الماء، ويفرخ فإن أحس بحيوان أو إنسان يروم أخذه رفع عشه بفراخه برجليه حتى يصيره في وسط البركة حيث يأمن. وهو طائر حسن، وهو الذي يسمى في مصر بالخواص ويتخذ بمصر من جلده ثياب للينها وجمالها، وتباع بأثمنة غالية، ومرسى مدينة بونة يسمى مرسى مدينة الأزقاق وهو من المراسي المشهورة وبونة في جُون من البحر يسمى الأزقاق، وهو صعب وفيه عطب مركب القطاني ومركب الفخري ومراكب كثيرة «
وزارها الرحـالة الحسن بن محمد الوزان الفـاسي (تـ923ه) المعـروف بـ (لـيـون§ الإفـريقي) أي الأسـد الإفـريقي (LéonL'Africain)القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) ووصفها وصفًا دقيقا شاملا، ولم يقتصر على المباني والطبيعة بل ذكـر عدد البيوت وطباع ساكنيها وأخـلاقهم ومـا إلى ذلك...يقول : » وبونة مدينة أولية أنشأها الرومان على نحر البحر الأبيض المن التعليم المتوسط على مسافة حوالي مائة وعشرين (120) ميلا شرقي قسنطينة، وكانت تسمى في المادة التاريخ القديم (هيبو) وكان القديس أوغستين أسقفا بها وتغلب عليها الغوط ثم فتحها عثمان ثالث خليفة بعد محمد (ص) (...) وأحدثت فيما بعد مدينة أخرى تبعد عن السابقة بحوالي ميلين (2) وشيدت بحجارة المدينة القديمة، ويسمي أكثر الناس هذه المدينة الحديثة بلد العناب، لكثرة هذه الثمار في هذا الموضع، ويجفف الناس العناب ويأكلونه في الشتاء.
وتعدُ المدينة ثلاثة آلاف (3000) بيت، والسكان كثيرو الكثافة غير أن الديار الجميلة قليلة، ويوجد بالمدينة مسجد جميل مبني على نحر البحر، والرجال بها ظرفاء، منهم التجار والآخرون صناع أو نساجون وهؤلاء الأخيرون يبيعون قسطا وافرًا من أقمشتهم في مدن نوميديا(...) ولا توجد عيون ماء ببونة، ولكن صهاريج مياه المطر، وترى بالجانب الشمالي من المدينة قلعة كبيرة تحيط بها جدران سميكة، وقد شيدها ملوك تونس، ويقيم العامل بالقلعة وخارج المدينة زرعت البادية على مساحة أربعين (40) ميلا طولا وخمسة وعشرين (25) ميلا عرضا، وهي أرض جيدة لزراعة القمح، تقطنها قبيلة عربية تسمى مرداس التي تفلحها وتملك القبيلة بقرًا وأغنامًا عديدة ويمير هذا البقر من الزبدة قدرًا كبيرًا حتى إن العرب عند بيعه ببونة لا يربحون من الدراهـم إلا القليل وكـذلك الأمـر بالنسبة للقمح.
وتأتي البواخر العديدة كل سنة من تونس وجربة ومن جميع الساحل وأيضا من جنوة لشراء القمح والزبدة من بونة، وكانوا يُستقبلون بطيبة قلب، ويقام السوق كل يوم جُمُعة خارج المدينة قرب السور ويستمرُ إلى المساء.
وغير بعيد عن بونة يوجد شاطئ به المرجان، وليس لأحد الحق في اصطياده في البحر أو جمعُه على الساحل لأن الملك (الحفصي) أجر هذا الشاطئ للجنويين الذين طلبوا منه رخصة بناء قلعة به، لأن القراصنة أزعجوهم، ولم يرضى السكان، متعللين أنه في مرة سابقة استحوذا الجنويون على المدينة، ونهبوها باستعمالهم نفس الحيلة، وقد استرجع أحد ملوك تونس القلعة فيما بعد «.
كما مر عليها أبو الحسن علي بن محمد التمقروتي (تـ1003ه) في أواخر القرن§ العاشر الهجري وأوائل القرن الحادي عشر (السادس عشر الميلادي) وهو في طريقه بحرًا من مراكش إلى القسطنطينية (اسطامبول) وسجل انطباعاته وملاحظاته في كتاب كامل عنوانه : » النفحة المسكية في السفارة التركية «، نقتبس منه بعض ما تعلق بها، يقول :» وهي مدينة وتعرف ببلد العناب لأن أكثر شجر فجوجها العناب، قال ابن عبد ربه : " ويطل على بونة جبل كثير الثلج، وفيه مسجد يصيبه شيء من ذلك الثلج وإن عم الجبل، وبونة كثيرة اللحم والحوت واللبن والعسل وأكثر لحومها البقر، ويصح بها السواد دون البياض، ومنها ترفع السفن اليوم السمن الكثير إلى قسطنطينية..."ثم يورد ما قاله الرحالة أبو البقاء خالد بن عيسى البلوي (تـ القرن الثامن الهجري، الرابع عشر الميلادي) في مصنفه الموسوم » تاج المفرق في تحلية علماء المشرق « بشأن بونة، فيقول :» قال أبو البقاء خالد في رحلته : وبونة مدينة مكينة، وقلعة حصينة شهيرة الامتناع، بائنة الارتفاع، معدومة الشبيه والنظير في القلاع، تنزهت حصانة أن ترام وتستطاع، قاعدة كبيرة ومائدة من الأرض مستديرة، سامية الأرجاء واسعة البناء، موضوعة على نسبة حسنة في الاعتدال والاستواء.والمدينة العجيبة كالعروس في ناديها، وقد رفلت في درع وأدب، وامتنعت بحسامه المسلول من غير الأيام وعواديها، فاتخذت به من المطالب معتصما وتحلت في سواره معصمًا...«.
وبعد ما يصف سعة أرضها وخَصبَ سهولها وكثرة بساتينها، وتأثير ذلك في نفوس الناظرين، ينتقل إلى وصف البحر والقلعة والمرسى، يقول :
» ... فيا لله اتساع ظواهرها وبواديها، والحسن البادي ببحرها وبواديها، وارتفاع تلك القلعة والحصن، وما أوتي من المنعة والحسن (...) وقد قمنا بمرسى بونة يومين، وهو مرسى حصين في جُون واسع جدًّا، وزرنا في جامعها قبر الوالي الصالح أبي عبد الملك مروان بن علي بن القطان، قال القاضي عياض في رسم هذا الشيخ من المدارك، هو أندلسي الأصل سكن بونة من بلاد إفريقيا وكان من الفقهاء المتفننين، ألف في شرح مفصل الموطأ كتاب كاملًا مشهورًا، رواه عنه الناس (...) كذا قال حاتم كان رجلا فاضلا حافظا نافذًا في الفقه والحديث، أصله من قرطبة سمعنا منه تفسير الموطأ من تأليفه، ولزم الدواودي وغيره. قال أبو عمران : كان صالحًا عفيفا عاقلا حسن اللسان رحمه الله.ثم سافرنا منها إلى ميناء بنزرت «.
وكما هو واضح من العنوان فإن بونة لم تحظ بزيارة الرحالة والجغرافيين العرب ووصفهم فحسب بل حظيت كذلك بزيارة رحالة وجغرافيين غربيين، وقد وصفوها وكتبوا عنها ملاحظاتهم، وأبدوا فيها آراءهم، وكان منهم التجار والقناصلة، ومنهم المسافرون والمغامرون، وربما حتى الجـواسيس والأسرى.


يتـــــــــــــبع





©المشاركات المنشورة تعبر عن وجهة نظر صاحبها فقط، ولا تُعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر إدارة المنتدى©